أخبــاربلاد الجوارنبض الساعة

تقارير الرقابة المالية تكشف خفايا الفساد في العراق

عاد ملف الفساد المالي في العراق إلى صدارة النقاش السياسي بعد كشف التقرير السنوي لديوان الرقابة المالية الاتحادي عن حجم كبير من المخالفات المالية، أبرزها وجود نحو 100 تريليون دينار عراقي، ما يعادل قرابة 76 مليار دولار، من السلف غير المسددة، إلى جانب آلاف الملاحظات الإدارية والمالية المتراكمة على مدى سنوات.

ويأتي نشر التقرير بالتزامن مع حملة حكومية لمكافحة الفساد أسفرت عن توقيف عدد من المسؤولين، كان من بينهم مسؤول سابق في وزارة النفط، في قضية لم تظهر ضمن تقارير ديوان الرقابة المالية، بل كشفتها تحقيقات أمنية وقضائية منفصلة، ما أثار تساؤلات حول مدى قدرة التقارير الرقابية على عكس الحجم الكامل للفساد داخل مؤسسات الدولة.

ويعد ديوان الرقابة المالية الاتحادي من أقدم المؤسسات الرقابية في العراق، إذ تعود جذوره إلى عشرينيات القرن الماضي، ويتولى تدقيق الحسابات العامة، ومراجعة الإنفاق الحكومي، ورصد المخالفات المالية والإدارية في مؤسسات الدولة.

ولا يمتلك الديوان صلاحيات التحقيق الجنائي أو استرداد الأموال أو إحالة المتهمين إلى القضاء، إذ تقع هذه المهام ضمن اختصاص جهات أخرى، أبرزها هيئة النزاهة والسلطة القضائية.

ملفات تتجاوز التقارير

يرى نواب ومختصون أن ما كشفه التقرير يمثل جزءاً من صورة أكبر، إذ توجد ملفات فساد واسعة لم تظهر ضمن أعمال التدقيق المالي، وإنما كشفتها التحقيقات الأمنية والقضائية.

وقال عضو في مجلس النواب إن التقرير سلط الضوء على جانب مهم من الهدر المالي، لكنه لا يشمل جميع قضايا الفساد في مؤسسات الدولة، مشدداً على ضرورة الانتقال من مرحلة كشف الأرقام إلى اتخاذ إجراءات عملية تشمل استدعاء المسؤولين، وإحالة الملفات إلى القضاء، والعمل على استرداد الأموال العامة.

وأضاف أن اهتمام الشارع العراقي لا يقتصر على معرفة حجم الأموال المهدورة، بل يمتد إلى تحديد المسؤولين عن تلك الخسائر، ومعرفة آليات استعادة الأموال ومحاسبة المتسببين بها.

تقارير كثيرة ونتائج محدودة

ويشير خبراء إلى أن ديوان الرقابة المالية أصدر خلال السنوات الماضية آلاف التقارير المتعلقة بالمخالفات المالية والإدارية، إلا أن جزءاً كبيراً منها لم يتحول إلى إجراءات تنفيذية بسبب تعقيدات قانونية، وضعف التنسيق بين الجهات الرقابية والقضائية، فضلاً عن تأثير المصالح السياسية في بعض الملفات.

كما أعاد التقرير النقاش حول ما يعرف بـ”المكاتب الاقتصادية” المرتبطة بالأحزاب، والتي تتهمها جهات سياسية وشعبية بالاستفادة من العقود الحكومية وبناء شبكات مالية مستفيدة من تداخل النفوذ السياسي مع الإدارة العامة.

الرقابة تحتاج إلى دعم التحقيق والقضاء

ويرى خبراء اقتصاديون أن تقارير الرقابة المالية، رغم أهميتها، لا تقدم صورة كاملة عن منظومة الفساد، لأنها تعتمد بشكل أساسي على الوثائق والحسابات الرسمية، بينما توجد أنماط أخرى مثل غسل الأموال، والشركات الوهمية، والعمولات غير المعلنة، وهي ملفات غالباً ما تظهر عبر التحقيقات الأمنية والقضائية.

وأشار مختصون إلى أن بعض القضايا الكبرى لم تبدأ من تقارير رقابية، بل من تحقيقات كشفت شبكات مالية معقدة، ما يؤكد حاجة العراق إلى تنسيق أكبر بين أجهزة الرقابة والأمن والقضاء.

ويؤكد اقتصاديون أن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في اكتشاف المخالفات، وإنما في مرحلة ما بعد الكشف، عبر استرداد الأموال، ومحاسبة المسؤولين، وتحويل التقارير إلى أحكام وإجراءات ملموسة.

ويرى مراقبون أن معالجة الفساد في العراق تتطلب منظومة متكاملة تبدأ بالرقابة والتدقيق، مروراً بالتحقيق والمحاكمة، وصولاً إلى إصلاح القوانين والإجراءات التي تسمح بتكرار المخالفات.

ومع تصاعد المطالب الشعبية بمحاسبة المتورطين، تواجه الحكومة العراقية اختباراً حقيقياً لتحويل الأرقام الواردة في التقارير الرقابية إلى خطوات عملية تعزز الثقة بالمؤسسات وتحد من استنزاف المال العام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى